في أنَّ كلامَ السَفسَطة لا يُعوّل عليه
نشط من جديد النقاش حول هل يمكن اعتبار أن الثورة السوريّة قد انتهت؟
كان النقاش قد استهله السيد أسامة عثمان مطلع العام الحالي عندما قال: "لا يمكن لأحد أن يقول أن هذه الثورة قد انتهت".
وعاد مؤخرًا السيد لبيب النحاس للتأكيد على طرحٍ مشابه بقوله: "[مقولة] أن الثورة انتهت أعتقد للأسف كانت مقولة سيئة جدًا، الثورات لا يتم إعلان انتهائها، وقطعًا لا يتم إعلان انتهائها بعد أربع أيام من سقوط النظام الذي قامت عليه.. الحل لم يكن إعلان إنتهاء الثورة بل بداية مأسسة الثورة، بحيث الثورة بقيمها بتوجهاتها بأهدافها تصير جزء من الدولة نفسها".
ما هي الثورة؟
تُعرّف موسوعة ستانفورد للفلسفة الثورات بأنها محطّات تحوّل جذريّة، تتسم بتغيير عميق وخاطف للنظام السياسي، يتم تحقيقه من خلال استخدام القوة بدلًا من التوافق أو الإجراءات القانونية.
ووفقًا لعالم الإجتماع والمؤرخ الأمريكي جاك جولدستون، فإن جميع الثورات تحتوي على ثلاث عناصر جوهرية:
(أ) جهود لتغيير النظام السياسي مستندة إلى رؤية مغايرة للعدالة. (ب) قدر ملحوظ من التعبئة الجماهيرية. (ج) جهود لفرض التغيير من خلال إجراءات غير مؤسسية، مثل المظاهرات الحاشدة، الاحتجاجات، الإضرابات أو العنف.
الآن، كيف يمكن القول بأن الثورة لم تنتهي ولكن ينبغي دعم الدولة كما ذكر السيد لبيب النحاس في مقابلته، والأنكى من ذلك، كيف يمكن مأسسة الثورة وهي في جوهرها جهود تغيرية تسعى لتحقيق أهدافها من خارج الإجراءات القانونية ومن خارج الأطر المؤسساتيّة!
ما أريد قوله هو أنّ مثل هذا الكلام هو مجرّد سفسطة غير متسقة مع بعضها داخليًا. يحق لأي شخص أن يكون معارضًا للنظام القائم، لكن ما أقوله هنا: تحدّث بشكل يتسق مع علم الاجتماع والسياسة بحيث تكون مقنعًا لمن يسمعك.
هل انتهت الثورة؟
رغم أن هذه ليست هي النقطة الأساسيّة التي أهتم بها هنا. لكن يمكن وبمراجعة أية مصدر معرفة أن الثورة الفرنسية انتهت بانقلاب ۹ تشرين الأوّل وصعود نابليون للسلطة. وأن الثورة الروسية انتصرت بعد اقتحام قصر الشتاء وإلقاء القبض على الحكومة، والثورة الكوبية انتهت عندما هرب باتيستا من كوبا واستولى الثوار على هافانا. فما هو الغريب بالقول أن الثورة السورية قد انتهت بهروب بشار الأسد وأركان نظامه خارج البلاد واستلام هيئة تحرير الشام مقاليد الحكم في سوريا؟
والعدالة؟
أجل العدالة لم تتحقق بعد، وبناء مؤسسات دستورية ترعى حياة سياسية تعددية وتضمن تداول سلمي للسلطة لم يتم بعد، ولكن هذا لا يمكن أن يتم من خلال "استخدام القوّة خارج القانون". الاستحقاقات الكبرى في سوريا لن يكون من الممكن تحقيقها من خلال المظاهرات أو العنف.
السوريون يضغطون فعلًا باتجاه مشاركة السلطة في المرحلة الإنتقالية، بما يضمن التمثيل والكفاءة والشرعية، ومن خلال المشاركة في السلطة، ومن خلال معارضة السلطة أيضًا، يكون العمل على بناء المؤسسات آنفة الذكر.