ملاحظات حول استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي


أذكر أنني بدأتُ بتجربة ChatGPT في العام الأكاديمي الأخير أثناء دراستي علوم الكمبيوتر في UoPeople. كانت التجربة في ذلك الوقت فريدةً للغاية؛ أدهشتني سرعة وسهولة العثور على الإجابات، ففي السابق كنتُ أمضي الوقت متنقلًا بين العديد من المواقع والمراجع ومقاطع الفيديو محاولًا التأكّد ما إذا جواب سؤالي موجودًا هنا أم هناك، وما إذا كان الشرح وفيًا أم لا. وحتى عندما كنتُ أجد مصدرًا يشرح ما أبحث عنه، فقد لا يكون أسلوب الشرح أو الأمثلة متوافقًا مع نمطي بالتفكير والتعلّم. ChatGPT غيّر ذلك كلّه! فالإجابةُ تُقدّم بلغتك الأم مشفوعةً بالشرح والتحليل، والأهم هو القدرة على استكمال النقاش وطرح المزيد من الأسئلة لردم الفجوات المعرفيّة التي تعيق عن الفهم الكامل لموضوع الدراسة. كانت تلك التجربة ملهمة، إنها أشبه بامتلاك الوصول إلى أستاذ خصوصي متوفر دائمًا، لا يمل، ولا تخجل من كثرة سؤاله، ومتوفر مجانًا!

ومنذ ذلك الوقت شاع استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي بشكلٍ كبير، ليس فقط لتقديم الإجابات، وإنما أيضًا لإنجاز الأعمال الإبداعية، من كتابةٍ ورسمٍ وتصميمٍ وتلحين، بل وحتى إنجاز المشاريع الهندسيّة والفنيّة بشكل كامل، كبرمجة الأدوات والمواقع وإنتاج الأفلام. ومع زيادة الاستخدام بدأت تظهر بعض المشاكل وأوجه القصور المرتبطة باستخدام هذه النماذج رغم الإمكانيات الكبيرة التي تُقدّمها.

أستعرض في هذه التدوينة بعض التحدّيات التي تطرحها نماذج اللغة الكبيرة، استنادًا إلى ما قرأتُه من أبحاث ودراسات خلال الأشهر الماضية. وليس الهدف إنكار الإمكانيات المذهلة والفريدة التي يُقدّمها الذكاء الاصطناعي، فهذا ما يلمسه الكثيرون، بل أن أوثّق ما تعلمته حول القيود والتحدّيات التي تجلبها هذه الأدوات، والتي قد لا تكون واضحة للكثيرين منّا.

الغرض النهائي من التقنية، أي تقنية، أن تُساعدنا على تحقيق أهدافنا، لا أن تقف حجرة عثرة في طريقها! وهذا يكون من خلال تعلّم استخدام التقنية بالطريقة الأمثل، ومتى تكون نافعة ومتى يكون العكس هو الصحيح. وهذا ما أحاول استكشافه وتوثيقه هنا. يُرجى ملاحظة أنه ولاستناد هذه التدوينة إلى أبحاث فمعظم الفقرات التالية هي ترجمات [بتصرف] للفقرات البارزة من الأوراق المُشار إليها.

كيف تعمل نماذج اللغة

تُقدّم معظم لوحات المفاتيح على الهاتف ميزة تنبؤ الكلمة التالية، والتي تعتمد على حقيقة أن احتمالية تعاقب الكلمات بعد بعضها تتفاوت بوضوح. مثلًا إذا كتبت "شكرًا" فيمكن تنبؤ بنسبة معقولة أن تكتب بعدها كلمة "جزيلًا"، وإن أدخلت كلمة "السلام"، فسيكون الأكثر بداهةً اقتراح "عليكم" تاليًا.

يبدأ تدريب نماذج اللغة على المبدأ عينه: من الناحية الإحصائية ما هي التعابير الأكثر احتمالًا لأن تأتي تاليًا، يتم هذا التدريب باستخدام كمياتٍ ضخمة من المحتوى المكتوب. مبدأ بسيط وفعّال ولكنه غير كافٍ. في المرحلة الثانية، ولرفع جودة أداء هذه النماذج يتم تدريبها على مجموعة مترابطة من البيانات على شكل (مدخلات:مخرجات)، أي أن مدخلاتٍ بعينها ينبغي أن تؤدي إلى مخرجات مُحدّدة. وبينما تتوالى وتتعقد مراحل التدريب والتعديل بعد ذلك فإن الأساس يبقى نفسه.

التعلّم يتطلب جهدًا

كما ذكرنا أعلاه، يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي أن تلعب دورًا مهمًا في رفع كفاءة عملية التعليم. يمكن لنموذج الآلة الذي تدرّب باستخدام قاعدة علمية من مختلف اللغات، مخاطبة المستخدم بالعربية، تقديم مختلف الأمثلة، وإعادة شرح المفهوم نفسه بطرق متعددة أو بلغة علمية مبسّطة.في المقابل، قد تنعكس إساءة الاستخدام سلبًا على التحصيل العلمي إذا ما استُخدمت التقنية للقفز على مراحل التعلم الضرورية أو تجنبًا لبذل الجهد الذهني المطلوب.

تلفت أكاديمية صوفيا التعليمية أن المهارات تنمو من خلال ممارستها، أي عن طريق بذل جهدٍ متواصل. هذا لا ينطبق فقط على المهارات التخصصية مثل البرمجة أو تعلّم لغة ثانية، بل أيضًا على المهارات العامة كالتعلم، الابتكار، صياغة الأفكار والتعبير عن النفس، التفكير النقدي، التحليل المنطقي، واتخاذ قرارات واعية. وعليه، فإن مشروعية استخدام التقنية (أيًا كانت) في التعلّم مشروطة بتعزيز وتنمية هذه المهارات وليس بإيجاد طرق للاستغناء عنها. هذا يعني أن محاولة فهم موضوعٍ ما من خلال الذكاء الاصطناعي، أو طلب مراجعته لورقة أنجزها الطالب بنفسه يختلف جذريًا عن استخدامه للإجابة على الوظائف أو الفروض ثم نسخ إجاباته أو التعديل عليها قليلًا!

بالإضافة إلى التهرب من بذل الجهد الذهني اللازم للتعلّم، يجلب الذكاء الاصطناعي تحديًا آخر متمثلًا في تقديم الإجابات الخاطئة أو ما يعرف بالهلوسة.فكما قلنا، عندما يطرح المستخدم سؤاله، يعمل نموذج الذكاء الاصطناعي على توليد النصوص الأكثر احتمالًا لأن تأتي كإجابة بناءًا على القاعدة التي تدرّب عليها النموذج. لكن عندما لا يكون النموذج قد تدرّب كفاية على السؤال، أو تدرّب باستخدام بيانات مغلوطة أو لمحدوديةٍ في الكفاءة، فإن النموذج سيظل يولّد الإجابة الأكثر احتمالية حتى ولو كانت خاطئة أو مختلقة كليًا. التحدّي الأكبر يتمثّل في التناقض التالي: إن كان الطالب يستخدم نموذج الذكاء الاصطناعي لفهم موضوع جديد، فكيف له أن يدرك أصلًا كون الإجابات المُقدّمة باطلة.

هل تدعم الدراسات المتوفرة حاليًا هذه التحليلات؟

أجل! تظهر الدراسات القليلة المتوفرة حاليًا أن الاستخدام غير المنضبط لنماذج الذكاء الاصطناعي يُضعف بشكلٍ كبير قدرة الطلاب على الاحتفاظ بالمعرفة المكتسبة على المدى الطويل. تخلص الدراسة المُشار إليها آنفًا أن تقديم الإجابات الفورية والوافية يؤدي إلى شكلٍ من أشكال الاتكال الذهني - أي إلغاء الصعوبات (المرغوبة واللازمة) للتعلّم العميق.

في تجربة أخرى وجد الباحثون أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتعلّم مكتبة برمجية جديدة حدَّ من الفهم النظري، ومهارات تحليل البرمجيات وإصلاح أعطالها دون أن يثمر عن زيادة فعليّة في الكفاءة إجمالًا. ومع أن الإنتاجية زادت لدى من فوضوا البرمجة بالكامل، إلا أن الثمن كان ضعف الإلمام بالمكتبة البرمجية المستخدمة. النتيجة نفسها تكررت عند مقارنة أداء الطلاب وتمكنهم من البحث الذي كتبوه، حيث كان الفارق واضحًا ولصالح المجموعة التي لم تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي. مثل هذه التجارب تجعل البعض يتسائل عن ما إذا كان تراكم ضعف الإلمام بالتفاصيل الهندسية للمشاريع البرمجيّة سيؤدي في نهاية المطاف إلى ظهور مشاكل لا يستطيع المهندسون حلّها بكفاءة لأنهم يتعاملون مع كود لم ينتجوه ولا يفهموه كفاية.

تحسّن إنتاجية الموظف

إحدى أكثر المزايا التي يبدو أن استخدام الذكاء الاصطناعي قادر على تحقيقها، أو يحققها، هو زيادة الإنتاجية، حيث يمكن من خلال بعض الـ prompts إنجاز مشروع كامل في وقت قياسي، شيٌء لم يكن من الممكن تحقيقه سابقًا مثل إعادة كتابة برمجيات كاملة بتكلفة ألف دولار فقط من التوكن!

لكن هل ينعكس هذا التوفير على الموظفين أنفسهم؟

خلصت دراسة أجرتها هارفرد بزنسز رفيو واستمرت لثمانية أشهر أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لم يقلل من العمل بل زادت من وتيره بشكلٍ متواصل! لقد عمل الموظفون بوتيرة أعلى، ولوقت أطول، وتولو نطاقًا أوسع من المهام - وغالبًا دون أن يُطلب منهم ذلك! بعبارة أخرى؛ أجل لقد مكّنت أدوات الذكاء الاصطناعي الموظفين من إنجاز المزيد وليس من توفير الوقت. لقد وجد الموظفون رغبة في استكشاف المزيد من الإمكانيات أو المشاريع التي يمكن إنجازها مع الذكاء الاصطناعي.

المشورة والمساعدة

ذكرنا أعلاه أن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يمر بعدد من المراحل، بعض هذه المراحل يكون بهدف جعل النموذج منتجًا تجاريًا مربحًا بالدرجة الأولى، دون الانتباه أن ذلك قد يجلب الضرر لمستخدميه.

كيف؟

يشعر البشر بالسعادة والفخر عندما نكتشف أننا على حق، خاصةً إذا كان ذلك يعني أن الآخرين على خطأ. لكن قد يؤدي استثمار مثل هذه الحقيقة إلى إجابات خادعة وضارة. هذا ما تخبرنا عنه مراجعة ۱۱ نموذجًا للذكاء الاصطناعي، إذ وجد الباحثون أن هذه النماذج تؤيد سلوكيات المستخدمين بنسبة تزيد عن البشر بـ ٤۹% في المتوسط، حتى في تلك الحالات التي تضمنت تضليلًا أو خروجًا عن القانون أو أضرارًا أخرى. بل وجد الباحثون أن مجرد تفاعل مداهن واحد مع الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى تقليل رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية و زيادة قناعتهم بأنهم على حق.

فعّالة ومفيدة ولكن "هبّادة"

من الواضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على توفير الوقت في العديد من المهام إذا ما استُغلت بشكلٍ صحيح، فإذا كان يمكنك تدقيق مخرجاتها، أو كنتَ ترى أن السرعة أهم من الدقة لبعض المهام، أو في الحالات التي لا تكون فيها عاقبة الخطأ وخيمة، ستكون نماذج اللغة أدواتٍ رائعة، ولكن لا تنسَ دومًا أنها هبّادة بطبيعتها.